مع مرور سنة على الانتخابات الرئاسية التى أعادت الرئيس ترامب إلى سدة الحكم نشرت عدة مواقع تقارير إخبارية عن أسلوب عمله، وعن مساره الذى مكنه من العودة إلى الأضواء بعد أن حسبه الأصدقاء والخصوم “أمرا منتهيا”، واستمر سيل التحليلات عن سياسته الخارجية جارفا لا يتوقف. وبالطبع لا أزعم أننى اطلعت على كل ما نُشر.
بعد أن انتهت ولايته الأولى، فكر الرئيس فى مجرياتها، ووفقا لموقع “ذى أطلنتك” وصل إلى خلاصة مفادها أنه لم يحقق كل أهدافه، وأنه لم يحققها بسبب اعتراضات وعراقيل معاونيه من كبار كوادر الجمهوريين، الذين اعترضوا على أغلب قراراته، وتفننوا فى تعديلها أو فى عدم تنفيذها. من المعروف مثلا أنهم منعوه من اتخاذ قرار بسحب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية، وأقنعوه بأن وجودها هناك هو حماية للولايات المتحدة كما هو حماية لسول، لأنها تستطيع أن ترصد بسرعة كبيرة تحركات كوريا الشمالية. هذه الواقعة رواها بوب وودوارد، وهى تظهر الرئيس أهوج جاهلا، ولكنه لا يمكن استبعاد حدوث وقائع كانت قراراته فيها موفقة، ورغم هذا لم تنفذ.
وقرر “ترامب” أن يتخلص من كل هؤلاء، وأغلبهم ينتمى إلى التيارات التقليدية للحزب الجمهورى، وأن يعتمد على ناس لن يناقشوه، وسيظهرون مهارة فى تنفيذ قراراته وفى تطويع الإدارات والمرافق إن اعترضت أو امتعضت، وقرر ألا يعطى لأحد فرصة لمنعه من “أن يكون نفسه”... أن يكون ترامب ترامب. وجاء اختياره للسيدة سوزى وايلز موفقا، لم تكن تتبرع برأى إن لم يطلب منها ذلك، وأظهرت براعة فى إدارة حملته وفى استخلاص الدروس من الحملات السابقة.
ووفقا لتقرير “ذى أطلنتك” استغل فرصة حاجة الجمهوريين إلى لم الشمل ليعود إلى الأضواء، وأظهر مهارة فائقة فى استغلال أخطاء الديمقراطيين فى التعامل معه وفى مخاطبة الجماهير، وجاء تعدد الملاحقات القضائية ضده بركة على عكس توقعات الجميع، كثرتها أفقدتها مفعولها، وأعانته على تصوير نفسه كضحية. وبصفة عامة دخل ترامب فى دائرة فاضلة، يوجه إليه “قصف جبهة” ويستهدفه سيل من السهام، ولا يقع ولا تتأثر شعبيته، ويبدو قويا شامخا، وكلما انهالت عليه الضربات دون أن تقضى عليه بدا قويا.
على موقع آخر قرأت مقالا يعرض لرأى الصينيين فيه، ووفقا له يرى الصينيون أن ترامب يحاول تحقيق هدفين، التخلص من أعباء “شرطى العالم” وعقد صفقات مع الدول الكبرى، مع نهضة الصين لم تعد الولايات المتحدة قادرة على الحضور الفعال على كل المسارح فى آن واحد، ولذلك يريد الرئيس إلقاء العبء الأمنى على آخرين، على أوروبا أن تضطلع بمهمة ردع روسيا، على اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وتايوان القيام بردع الصين وكوريا الشمالية، وهو طبعا يدرك أنه لا يستطيع أن يتركهم وحدهم وأن وجوده فى هذا المسرح ضرورى جدا له وللدول الآسيوية، وعلى إسرائيل ودول الخليج مهمة التصدى لإيران، وعلى الولايات المتحدة تولى أمر أمريكا اللاتينية.
ومن ناحية أخرى يريد الرئيس عقد صفقات تجارية كبرى مع الصين وروسيا، تسمح مثلا بتنظيم استغلال المحيط الشمالى، واستخراج المعادن النادرة، وتدفع الصين إلى شراء منتجات زراعية أمريكية، والكف عن التلويح بتحويل المعادن النادرة إلى سلاح فى حرب اقتصادية.
الصينيون لا يخشون هذه الإستراتيجية، فهم استعدوا لها منذ سنوات، ويرون أنهم أكثر مهارة منه فى “اللعبة الكبرى”، شخصيا لا أدرى إن كانوا محقين فى هذا، ما يمكن قوله إن أساليب الرئيس الأمريكى وإصراره على شن حروب تجارية ضد كل دول المعمورة وإقدامه على إهانة عدد كبير من رؤساء الدول وفى مقدمتهم الرئيس البطل زلنسكى يدفع عددًا كبيرًا من الدول على التفكير الجاد فى التقرب من الصين. وتعمده إرباك الكل بتصريحات نارية وتقلبات كثيرة لا يربك فقط الفرقاء بل يربك إدارته.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية